صديق الحسيني القنوجي البخاري

521

فتح البيان في مقاصد القرآن

على الحال ، أي يحكم نافذا حكمه خاليا من المدافع والمعارض والمنازع لا يتعقب أحد حكمه سبحانه بنقض ولا تغيير . قال ابن زيد : ليس أحد يتعقب حكمه فيرده كما يتعقب أهل الدنيا بعضهم حكم بعض فيرده . وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي الانتقام فيحاسبهم بعد زمن قليل في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل وأخرجهم من ديارهم في الدنيا فلا تستبطىء عقابهم فإنه آت لا محالة وكل آت قريب ، وقد تقدم الكلام في معناه قبل هذا ، والمعنى فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته على السرعة . وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي قد مكر الكفار الذين من قبل كفار مكة بمن أرسله اللّه إليهم من الرسل فكادوهم وكفروا بهم ، والمكر إيصال المكروه إلى الإنسان الممكور به من حيث لا يشعر ، مثل مكر نمرود بإبراهيم وفرعون بموسى ويهود بعيسى ؛ وهذا تسلية من اللّه سبحانه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم حيث أخبره أن هذا ديدن الكفار من قديم الزمان مع رسل اللّه سبحانه ثم أخبره بأن مكرهم هذا كالعدم ولا تأثير له وأن المكر كله للّه لا اعتداد بمكر غيره فقال فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يعني عند اللّه جزاء مكرهم وفيه تسلية للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأمان له من مكرهم . وقال الواحدي : يعني جميع مكر الماكرين له ومنه أي هو من خلقه وإرادته ، فالمكر جميعا مخلوق له بيده الخير والشر وإليه النفع والضر ، والمعنى إن المكر لا يضر إلا بإذنه وإرادته فإثباته لهم باعتبار الكسب ونفيه عنهم باعتبار الخلق . ثم فسر سبحانه هذا المكر الثابت له دون غيره فقال يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ من خير وشر ، فيجازيها على ذلك ومن علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها كان المكر كله له لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ جميعهم وقرىء الكفار على التوحيد أي جنس الكافر وقيل المراد بالكافر أبو جهل لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ أي العاقبة المحمودة من الفريقين في دار الدنيا أو في دار الآخرة أو فيهما . وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي المشركون أو جميع الكفار خطابا وشفاها لك لَسْتَ يا محمد مُرْسَلًا إلى الناس من عند اللّه فأمره اللّه سبحانه بأن يجيب عليهم فقال قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فهو يعلم صحة رسالتي وصدق دعواي ويعلم كذبكم وَ كذا يعلم ذلك مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أي علم جنس الكتاب السماوي كالتوراة والإنجيل فإن أهلهما العالمين بهما كانوا يعلمون صحة رسالة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ وقد أخبر بذلك من أسلم منهم كعبد اللّه بن سلام وسلمان الفارسي وكعب الأحبار وتميم الداري ونحوهم وقد كان المشركون من العرب يسألون